ابن الجوزي
74
صفة الصفوة
سطحه . فلما مات قال غلام لأمه : يا أماه الجذع الذي كان في سطح آل فلان ليس أراه . قالت : يا بني ليس ذاك بجذع ، ذاك منصور قد مات . أبو بشر قال : كانت جارة لمنصور بن المعتمر ، وكان لها ابنتان لا تصعدان السطح إلا بعد ما ينام الناس ، فقالت إحداهما ذات ليلة : يا أمّتاه ، ما فعلت القائمة التي كنت أراها في سطح فلان ؟ فقالت : يا بنيّة لم تكن تلك قائمة إنما كان منصور يحيي الليل كله في ركعة لا يسجد فيها ولا يركع . قال أبو الأحوص : إن منصور بن المعتمر كان إذا جاء الليل اتّزر وارتدى إن كان صيفا ، وإن كان شتاء التحف فوق ثيابه ثم قام إلى محرابه كأنه خشبة منصوبة حتى يصبح . زائدة بن قدامة قال : كان منصور بن المعتمر إذا رأيته قلت : رجل قد أصيب بمصيبة منكّس الطرف ، منخفض الصوت ، رطب العينين ، إن حركته جاءت عيناه بأربع « 1 » . ولقد قالت له أمه يوما : ما هذا الذي تصنع بنفسك ؟ تبكي الليل عامّته لا تكاد تسكت . لعلك يا بني أصبت نفسا لعلك قتلت قتيلا . قال : فيقول : يا أماه أنا أعلم ما صنعت بنفسي . عن سفيان قال : كانوا يقولون في ذلك الزمان : إن أطول أهل الكوفة تهجّدا طلحة وزبيد وعبد الجبار بن وائل . قال الحميدي : فقلت : فمنصور ؟ قال : نعم إنما كان الليل عنده مطية من المطايا متى شئت أصبته قد ارتحله . سفيان بن عيينة ، وذكر منصور بن المعتمر ، فقال : قد كان عمش من البكاء . عن الثوري قال : لو رأيت منصورا يصلّي لقلت يموت الساعة . خلف بن تميم قال : سمعت أبي تميم بن مالك يقول : كان منصور بن المعتمر إذا صلّى الغداة أظهر النشاط لأصحابه فيحدثهم ويكثر إليهم ، ولعله إنما بات قائما على أطرافه ، كلّ ذلك ليخفي عليهم العمل .
--> ( 1 ) أي تفيض عيناه كأنها أربع عيون وذلك لكثرة دموعه .